محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

169

الإنجاد في أبواب الجهاد

تخلو من هذين الوجهين ، فأمَّا مَنْ عُلِمَ ، وتُحقِّق أنّه لم تبلغه دعوة الإسلام ، ولا عُلِمَ ماذا يراد منه بالقتال ، فلا خِلافَ ( 1 ) يُعرفُ أنه يجبُ أن يُدعَى قبلُ إلى الإسلام ، ويعلم بما يجب في ذلك ، فإن امتنعوا قوتلوا حينئذٍ . وأمّا من عُلِمَ أن الدعوة قد بلغتهم قَبْلُ ، وعرفوا مايراد منهم ، فهذا موضِعٌ اختلف فيه أهل العلم ، فَرُوِيَ عن عمر بن عبد العزيز أنه أمرَ أن يُدعوا قبل أن يقاتلوا ( 2 ) ، وكذلك رَوَى ابن القاسم عن مالكٍ ( 3 ) أن يُدْعوا ، ورُوي عنه - أيضاً - خلافُ ذلك ( 4 ) . قال ابن المنذر ( 5 ) : « وأباح أكثر أهل العلم قتالهم قبل أن يُدعوا ، قالوا : قد

--> ( 1 ) حكى الإجماع في هذه الحالة غير واحد ، انظر : « المبسوط » ( 10 / 6 ) ، « بداية المجتهد » ( 1 / 389 ) ، « المعونة » ( 1 / 604 ) ، « روضة الطالبين » ( 10 / 239 ) ، « كشاف القناع » ( 2 / 369 ) ، « رحمة الأمة » ( 292 ) . وينبّه هنا على أمرين مهمين : الأول : في حالة معالجة الكفار ، فإنهم يقاتلون في هذه الحالة من غير دعوة ، لضرورة الدفاع ، أفاده غير واحد ، انظر : « المدونة » ( 2 / 2 ) ، « المعونة » ( 1 / 604 ) ، « الذخيرة » ( 3 / 403 ) ، « زاد المعاد » ( 2 / 369 ) . الآخر : ذكر الشوكاني في « النيل » ( 7 / 231 ) ، والصنعاني في « سبل السلام » ( 4 / 89 ) أن دعوة الكفار قبل القتال لا تجب مطلقاً ، ذكراه على أنه قول ، ولم يعزياه لأحد ، وقال النووي عنه في « شرح صحيح مسلم » ( 11 / 280 ) : « إنه باطل » . ( 2 ) انظر : « البيان والتحصيل » ( 3 / 83 ) ، « النوادر والزيادات » ( 3 / 41 ) . ( 3 ) كما في « المدونة » ( 1 / 496 ) . وانظر : « البيان والتحصيل » ( 3 / 83 ) ، « النوادر والزيادات » ( 3 / 41 ) ، « المعونة » ( 1 / 604 ) ، « جامع الأمهات » ( 244 ) ، « عقد الجواهر » ( 1 / 468 ) ، « الذخيرة » ( 3 / 402 ) ، « حاشية الدسوقي » ( 2 / 176 ) ، وغيرها . ( 4 ) يمكن أن يقال : إنهم فرقوا بين من يُطمع في استجابته فتجب دعوته ، ومن لا يُطمع في استجابته فلا تجب دعوته ، انظر : « أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله » ( 1 / 341 ) . ( 5 ) لعله في « الأوسط » في القسم المفقود منه ، أو في القطعة المفقودة من كتابه : « الإشراف » .